نذير حمدان

187

حكمة القرآن والحضارة

تغير المفاهيم وتعكس القيم ، وعندئذ تشيع البلوى العامة التي تؤذن بالخراب العام والتدمير الشامل . فالاختبار من سنن الحياة ، وتدارك الأخطاء فيه يرفعه من مستوى التخريب إلى العمران ، وإذ هو عنصر حضاري لا يستغنى عنه فإن تجاوز أخطائه ضمن التجارب الناجحة تفيد الحياة المتحضرة بقدر كبير وهام من الخبرات . وإذ هو سنة عامة في كل جيل وبتكراره للوصول إلى الأفضل فإن تجاربه التي تورث الخبرات النافعة هي معالم أو منارات في الطريق السوي ، إذا استطعنا أن نفيد من الاختبار ملكات خبيرة تدلنا على خير الأمور وتبعدنا عن شرارها . والخيبة مرحلة من مراحل الحياة يجب أن يتخطاها الفرد لكي يكون ذا تجربة « 1 » . ولا يضير هذه القاعدة قول ( أوسكار وايلد ) إن التجربة هي اللفظة التي اصطلح الناس على تسمية أخطائهم بها . . . . وكل نجاح سهل يحصل عليه الإنسان فهو الشق الناقص من حياته وينبغي تكملته ، ومن لم يصطرع في حياته تهشم عند أوّل صراع بعد نجاحه ، وليس انتحار الموسرين والأصحاء والموهوبين إلّا لأنهم حازوا أكبر نجاح بأقل خذلان ، ولأنهم اصطدموا بالواقع لأول مرة في حياتهم ، فقد جاءت الرجة بأقوى مما يتحملون . ولهذا فلن يكون مما يضير الإنسان الكامل الإنسانية أن يكون خائبا . إن الخيبة كشعور لا ينبغي أن يتحكم في نفسية الفرد حتى تسودّ الدنيا في وجهه وتحبط نفسه ويستسلم لليأس وتنقطع آماله في المستقبل ولكنه كواقع يمكن الاعتبار منه ومجاوزته إلى الصواب يفيد منه تجربة واختبارا ، وعودة إلى العمل الجادّ ومتابعة الحياة حلوها ومرها . التجربة وتكرار الخطأ : فإن من الخطأ تكرار الخطأ حيث لا يعتبر صاحبه منه فليس من التجربة معاودته ، وإن الوقوع في الأخطاء الواحدة بسبب الغفلة أو عدم المبالاة أو العناد يعطل فضيلة الفطنة وبالتالي يفقد صاحبها حكمة التجربة التي تجنب المزالق والسمو إلى الخير وهو واقع في تجارب الوثنيين والمشركين في تكرار الخطأ ، وإن من ضعف الشخصية مثل هذا

--> ( 1 ) من آخر مقال : عبد الوهاب الأمين بعنوان : الخائبون ، الرسالة ( 692 ) للعام 1946 .